أحمد بن محمد مسكويه الرازي

154

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

الأقاليم ، فيحدث فيهم الذكاء وسرعة الفهم والقبول للفضائل . « 1 » وإلى هذا الموضع ينتهي فعل الطبيعة التي وكلها اللّه عز وجل بالمحسوسات ، ثم يستعد بهذا القبول لاكتساب الفضائل واقتنائها بالإرادة والسعي والاجتهاد الذي ذكرناه في ما تقدم ، حتى يصل إلى آخر أفقه ، فإذا صار إلى آخر أفقه اتصل بأول أفق الملائكة ، وهذا أعلى مرتبة الانسان . « 2 » وعندها تتأحد الموجودات ويتصل أولها بآخرها ، وهو الذي يسمى دائرة الوجود ، لأن الدائرة هي التي قيل في حدها : انها خط واحد يبتدئ بالحركة من نقطة وينتهي إليها بعينها ، ودائرة الوجود هي المتأحدة التي جعلت الكثرة وحدة ، وهي التي تدل دلالة صادقة برهانية على وحدانية موجدها وحكمته وقدرته وجوده ، تبارك اسمه تعالى جده ، وتقدس ذكره . ولولا ان شرح هذا الموضوع لا يليق « بصناعة تهذيب الاخلاق » لشرحته وأنت تقف عليه ان بلغت هذه الرتبة بمشيئة اللّه . وإذا تصورت قدرا ما أومأنا اليه وفهمته اطلعت على الحالة التي خلقت لها وندبت إليها ، وعرفت الأفق الذي يتصل بأفقك ، وتنقلك في مرتبة بعد مرتبة ، وركوبك طبقا عن طبق . وحدث لك الإيمان الصحيح ، وشهدت ما غاب عن غيرك من الدهاء ، وبلغت ان تتدرج إلى العلوم الشريفة المكنونة التي مبدؤها تعلّم المنطق ، « 3 » فإنه الآلة في تقويم الفهم والعقل الغريزي ، ثم

--> ( 1 ) . طبعا من الناحية الانسانية والفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ، لا فرق بين البشر كلهم ، واللّه عز وجل لقد كرّم الانسان بإنسانيته والكل متساوون في الانسانية . قال اللّه عز وجل : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا الاسراء / 70 . ( 2 ) . ويصل الانسان إلى درجات أعلى من الملائكة ، تبارك اللّه أحسن الخالقين . ( 3 ) . حيث المنطق ، كما يقولوا المناطقة ، هو ميزان العلوم ، وبه توزن جميع العلوم وعلى الخصوص العلوم الحكميّة .